عمر فروخ
194
تاريخ الأدب العربي
وختام القصيدة ثمانية أبيات يندب الشاعر حظّه في أربعة منها ثم يتساءل عمّن يمكن أن يقوم له مقام عمر بن الأفطس وولديه . وهو لا يستكثر ذلك على الدهر ولا يستغربه من الدهر لأن الدهر في العادة كثير التقلّب غريب الأطوار ( البيتان 71 و 72 من القصيدة ) . وهذا هو الذي حمل نفرا من النقّاد على أن ينسبوا قلّة وفاء ابن عبدون لمن كانوا سبب نعمته وشهرته . ثمّ يفتخر الشاعر ، في الأبيات الثلاثة الأخيرة ، بهذه القصيدة ويتنبّأ لها بأن تشتهر وتسير على الألسن . والشاعر في قصيدته هذه صحيح المعاني متين الأسلوب مقتدر في النظم بارع في العرض مع شيء من التأنّق ( الصناعة ) وشيء من التكلّف أحيانا . وتبدو مقدرة الشاعر وبراعته في أنّه استطاع أن يجمع في هذه القصيدة بين كثرة الإشارات التاريخية ( المجانبة بطبعها للشعر ) وبين سلاسة التركيب وطلاوة الشعر . وقد صدق المستشرق عبد الرحمن نيكل البوهيميّ حينما قال : « وبخلاف ما زعم دوزي « 1 » وجميع الذين تبعوه في رأيه « 2 » من أنّ في هذه القصيدة جفافا ومبالغات ( جوفا ) ، نجد أنّ هذه القصيدة تستحقّ الشهرة الّتي تتمتع بها بين العرب . أما القسم التاريخي منها فلا يضح إلا بالشّرح الذي علقه عليها ابن بدرون « 3 » . وعلى قارئ هذه القصيدة أن يكون على علم تامّ بما تضمّنته من الإشارات التاريخية ، على أن يكون هذا القارئ مسلما أو من الذين يشعرون شعور المسلمين . وحينئذ فقط يكون لها صدّى مستحبّ في نفسه » . وكان ابن عبدون مؤلّفا له كتاب « الانتصار لأبي عبيدة على ابن قتيبة » .
--> ( 1 ) في مقدّمته لشرح ابن بدرون على قصيدة ابن عبدون . ( 2 ) راجع رأي دوزي موجزا وشيئا من التعليق عليه في كتاب « تاريخ الفكر الأندلسي » ، تأليف آنخل غنثالت بالنثيا ، نقله عن الإسبانية حسين مؤنس ، القاهرة ( مكتبة النهضة المصرية ) 1955 م ، ص 119 - 120 . ( 3 ) هو أبو مروان عبد الملك بن عبد اللّه الحضرمي الشلبي ( بكسر الشين ) ، يبدو أنه عاش مدّة في إشبيلية . وكانت وفاته سنة 608 ه ( 1211 - 1212 م ) في الأغلب .